القران الكريم

- درس بعنوان(الثبات) للدكتور /رجب زكى

بسم الله الرحمن الرحيم

الثبات

الثبات من شمائل المرسلين ومقامات الصديقين وأخلاق المؤمنين وصفات الصالحين، وهو التمسك بالحق وعدم التزحزح عنه قيد شبر أو مقدار أنملة ، مهما كان الإيذاءأو الإغراء.

ومن أنواع الثبات:

أولا - الثبات على الدين:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِفَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَأَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَلَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌعَلِيمٌ ) المائدة:(54)

وعن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- أنه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلمبعشر كلمات. قال:"لا تشرك بالله شيئا، وإن قتلت وحرقت. ولا تعقن والديك وإن أمراكأن تخرج من أهلك ومالك. ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا؛ فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدافقد برئت منه ذمة الله. ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة. وإياك والمعصية؛ فإن بالمعصيةحل سخط الله عز وجل- وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موتان وأنتفيهم فاثبت. وأنفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله"أخرجه أحمد وابن ماجة وقال البوصيري: إسنادهحسن.

وعن النواس بن سمعان قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم -  يقول : " ما من قلب إلا بين إصبعينمن أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوليا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك قال والميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرينإلى يوم القيامة" أخرجهابن ماجة وصححه الألبانى.

وقال الحسن البصرى: رحم الله امرءا عرف ثم صبر ثم أبصر فبصر فإن أقواماعرفوا فانتزع الجزع أبصارهم فلا هم أدركوا ما طلبوا ولا هم رجعوا إلى ما تركوا اتقواهذه الأهواء المضلة البعيدة من الله التي جماعها الضلالة وميعادها النار لهم محنة منأصابها أضلته ومن أصابته قتلته يا ابن آدم دينك دينك فإنه هو لحمك ودمك  إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك  وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله فإنها نار لا تطفى وجرحلا يبرأ  وعذاب لا ينفد أبدا ونفس لا تموت ياابن آدم إنك موقوف بين يدي ربك ومرتهن بعملك فخذ مما في يديك  لما بين يديكعند الموت يأتيك الخبر إنك مسئول ولا تجد جوابا إن العبد لا يزال بخير ما كانله واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همه. حلية الأولياء

ثانيا- الثبات على الحق:

قال تعالى :( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوالَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَالْوَكِيلُ) آل عمران:(173).

وقال:( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (*) قلنا يا نار كوني برداوسلاما على إبراهيم (*) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (*) الأنبياء:(68-70)

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:" حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيمصلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا:إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".أخرجه البخارى.

ثالثا- الثبات عند لقاء العدو:

قال تعالى:( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌفَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواوَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (*) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَااغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَاعَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (*) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (*) آل عمران:(146-148)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوواسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"متفق عليه

رابعا- الثبات عند الممات:

قال تعالى:(  يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنياوفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) إبرهيم:(27)

وعن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- أنه قال: قال النبي صلى الله عليهوسلم: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخر) قال:

"نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله وديني دين محمدصلى الله عليه وسلم، فذلك قوله:( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياةالدنيا وفي الآخرة)". أخرجه النسائى  فى سننه وصححهالألبانى.

ومن مواقف الثبات:

أولا - من مواقف النبى صلى الله عليه وسلم:

جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له : يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةفينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا منشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتىيهلك أحد الفريقين .

عَظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله صلى اللهعليه وسلم وقال له : يا بن أخي، إن قومك قد جاءونى فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّوعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمهخاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال : "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمرفي يسارى على أن أترك هذا الأمر ـ حتى يظهره الله أو أهلك فيه  ما تركته "، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولىناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له : اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أُسْلِمُكلشىء أبدًا وأنشد :

والله لن يصلوا إليك بجَمْعِهِم ** حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينًا

فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة ** وابْشِرْ وقَرَّ بذاك منك عيونًا

وذلك في أبيات . انظرالرحيق المختوم

ثانيا- من مواقف الصحابة:

لما أسر خبيب بن عدى رضى الله عنه  اشتراهبنو الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بالحارث الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر، فمكث عندهمأسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بنات الحارث، استحد بها فأعارته، وغفلتعن صبي لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاما منه، فقال خبيب: أتخشينأن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى، فكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًامن خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وماكان إلا رزقًا رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين ثمانصرف إليهم فقال: لولا أن تروا ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتينعند القتل هو، ثم قال: (اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا ولا تبق منهم أحدًا) ثم قال:

 ولست أبالى حين أقتل مسلما * على أيشق كان في الله مصرعي

 وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يباركعلى أوصال شلو ممزع

فقال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدًا عندنا يضرب عنقه وأنك في أهلك، فقال: لاوالله، ما يسرني أني في أهلي، وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، ثمقُتل وصلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، فاحتمله بجذعه ليلا،فذهب به ودفنه. انظرالسيرة النبوية للصلابى

ثالثا- من مواقف التابعين:

لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال أنت الشقي ابن كسيرقال بل أنا سعيد بن جبير قال بل أنت الشقي بن كسير قال كانت أمي أعرف باسمي منك قالما تقول في محمد قال تعني النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم قال سيد ولد آدم النبيالمصطفى خير من بقي وخير من مضى قال فما تقول في أبي بكر قال الصديق خليفة الله مضىحميدا وعاش سعيدا مضى على منهاج نبيه صلى الله عليه و سلم لم يغير ولم يبدل قال فماتقول في عمر قال عمر الفاروق خيرة الله وخيرة رسوله مضى حميدا على منهاج صاحبيه لميغير ولم يبدل قال فما تقول في عثمان قال المقتول ظلما المجهز جيش العسرى الحافر بئررومة المشترى بيته في الجنة صهر رسول الله صلى الله عليه و سلم على ابنتيه زوجة النبيبوحي من السماء قال فما تقول في علي قال ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأولمن أسلم وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين قال فما تقول في معاوية قال شغلتني نفسي عنتصريف هذه الامة وتمييز أعمالها قال فما تقول في قال أنت أعلم ونفسك قال بت بعلمك قالإذا يسؤك ولا يسرك قال بت بعلمك قال اعفني قال لا عفى الله عني أن أعفيتك قال إني لأعلمأنك مخالف لكتاب الله تعالى ترى من نفسك أمورا تريد بها الهيبة وهي تقحمك الهلكة وستردغدا فتعلم قال أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا قبلك ولا أقتلها أحدا بعدك قالإذا تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك قال يا غلام السيف والنطع قال فلما ولى ضحك قالأليس قد بلغني أنك لم تضحك قال وقد كان ذلك قال فما أضحكك عند القتل قال من جراءتكعلى الله ومن حلم الله عنك قال يا غلام اقتله فاستقبل القبلة وقال وجهت وجهي للذي فطرالسموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين

فصرف وجهه عن القبلة قال فأينما تولوا فثم وجه الله قال اضرب به الارض قال منهاخلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى قال اذبح عدو الله فما أنزعه لآيات القرآنمنذ اليوم. انظر حليةالأولياء

رابعا- من مواقف المعاصرين:

كان الشيخ كشك رحمه الله يقول: إن العمامة التى تسجد لله عزوجل لاتنحنىلظالم ، وقال الشهيد سيد قطب: إن الأصبع التى تشهد لله بالوحدانية لاتكتب كلمةتأييد لظالم.